اسماعيل بن محمد القونوي
358
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( مصدقا بقلبه ) عطف بيان لقوله في دينه نحو أعجبني من زيد عمله صرح به الرضي وليس خبرا ثانيا إذ هو ليس بحكم على حدة وفائدته توضيح اللّه تعالى ثباتهم على الدين بأن المراد ثباتهم اعتقادا وعملا لا مجرد الاعتقاد ليترتب عليه عدم الخوف والحزن كذا قيل فحينئذ قوله إن ينسخ يحتاج إلى التقييد بالفروع والمعنى قبل أن ينسخ فروعه التي تختلف باختلاف الشرائع وأما الاعتقادات فلا تقبل النسخ أصلا وكذا الفروع المتفق عليها في جميع الأديان كحرمة القتل بغير حق والزنى وغير ذلك مما لا يختلف باختلاف الشرائع فظهر أن القول بأن والمراد نسخ ذلك الدين كله أو بعضه كما في شريعتنا بناء على التسامح إذ لا دين من الأديان منسوخ كله كما عرفته وأيضا أن المراد بالنسخ نسخ الأديان الماضية لا نسخ بعض أحكام الإسلام فإنه وإن صح ذلك لكن لا معنى لأن يقال إن الفائز بالأجر من آمن قبل ذلك فإن من آمن بعده على السوية في الإيمان والأجر المذكور فيكون من باب الحكم على الجميع بحكم البعض ويمكن أن يقال إن المؤمن المخلص إذا مات قبل النسخ ثم نسخ ذلك الحكم يجوز أن يتوهم أن الذين ماتوا قبل النسخ لا يثابون على الحكم المنسوخ فأزيل ذلك الوهم بأنهم مأجورون بذلك العمل الذي نسخ بعد مماتهم كاليهود والنصارى والصابئين على تفسير فإنهم مأجورون بالعمل قبل النسخ فكما لا يضر النسخ كونهم مثابين بالعمل كذلك لا يضر النسخ كون أهل الإسلام منتفعين بالعمل الذي نسخ بعد وفاتهم فاتضح اعتبار حسن المنسوخية لبعض أحكام شريعتنا وحسن ذكر الذين آمنوا مع اليهود والنصارى وتسويتهم بهم في ذلك الوعد ويدل عليه قول المص في تفسير قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] أي صلاتكم إلى القبلة المنسوخة لما روي أنه عليه السّلام لما وجه إلى الكعبة قالوا كيف بمن مات يا رسول اللّه قبل التحويل من إخواننا فنزلت وهذا كالصريح في المقصود فالقول بأن نسخ بعض أحكام الإسلام لا يناسب اعتباره هنا إذ الأجر لمن آمن بعد النسخ ثابت أيضا ضعيف إذ لا مفهوم في مثل هذا المقام وإن قال به الشافعي لكن شرطه ليس بمتحقق هنا قوله بالقلب للتأكيد لأن التصديق لا يكون إلا بالقلب وهذا مثل رأيته بعيني احترازا عن إرادة المجاز ولم يذكر الإقرار باللسان لأن المختار عنده الإيمان هو التصديق والإقرار شرط لإجراء أحكام الإسلام وقد مر الكلام فيه في قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] الآية . قوله : ( بالمبدأ ) أشار به إلى أن المراد بالإيمان باللّه الإيمان به وصفاته وأفعاله والرسالات والإيمان باليوم الآخر الإيمان بما يتعلق بالنشأة الثانية التي هي مبدئها أحوال القبر فيعم الحساب والميزان والصراط وإعطاء الكتاب باليمين وغير ذلك فيشمل جميع الاعتقاديات قال في تفسير قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ البقرة : 8 ] واختصاص الإيمان باللّه واليوم الآخر بالذكر تخصيص لما هو المقصود الأعظم من الإيمان وادعاء بأنهم احتازوا الإيمان من جانبيه وأحاطوا بقطريه والظاهر أن ما أشار إليه هنا غير ما ذكر هناك فإن المتبادر أنه جعل الإيمان باللّه كناية عن الإيمان بالمبدأ ( والمعاد )